محمد دياب الإتليدي

113

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )

قال إبراهيم : فوالله لقد ظننت أن الأبواب والحيطان وكل ما في البيت تجيبه وتغني معه ، وبقيت مبهوتاً لا أستطيع الكلام والحركة لما خالط قلبي ، ثم اندفع يغني ، فقال : ألا يا حمامات اللوى عدن عودةً . . . فإني إلى أصواتكن حزين فعدن ولما عدن كدن يمتنني . . . وكدت بأسراري لهن أبين دعون بترداد الهدير كأنما . . . شربن الحميا أو بهن جنون فلم تر عيني مثلهن حمائماً . . . بكين ولم تدمع لهن عيون قال : ثم سكت قليلاً وغنى هذه الأبيات : ألا يا صبا نجدٍ متى هجت من نجد . . . فقد زادني مسراك وجداً على وجدي أإن هتفت ورقاء في رونق الضحى . . . على فنن من غصن بان ومن رند بكيت كما يبكي الوليد صبابةً . . . وأبديت من شكواي ما لم تكن تبدي وقد زعموا أن المحب إذا دنا . . . تمل وأن البعد يشفي من الوجد بكل تداوينا فلم يشف ما بنا . . . على أن قرب الدار خيرٌ من البعد على أن قرب الدار ليس بنافع . . . إذا كان من تهواه ليس بذي ود ثم قال : يا إبراهيم هذا الغناء الماخوري خذه وانح نحوه في غنائك وعلمه جواريك . فقلت : أعده علي ؟ فقال : لست تحتاج إلى إعادة فقد أخذته وفرغت منه . ثم غاب من بين يدي فارتعبت منه وقمت إلى السيف وجردته ثم غدوت نحو أبواب الحريم فوجدتها مغلقة ، فقلت للجواري : أي شيء سمعتن ؟ فقلن : سمعنا غناء أطيب شيء وأحسنه . فخرجت متحيراً إلى باب الدار فوجدته مغلقاً فسألت البوابين عن الشيخ فقالوا : أي شيخ ، فوالله ما دخل إليك اليوم أحد . فرجعت أتأمل أمره ، فإذا هو قد هتف بي من جوانب البيت ، وقال : لا بأس عليك يا أبا إسحاق ، فإنما هو أبو مرة قد كنت نديمك اليوم ، فلا تفزع . فركبت إلى الرشيد فأخبرته الخبر ، فقال : أعد الأصوات التي أخذتها ، فأخذت العود وضربت ، فإذا هي راسخة في صدري ، فطرب الرشيد عليها وجعل يشرب ، ولم يكن له همة على الشراب ، وقال : كأن الشيخ علم أنك قد أخذت الأصوات وفرغت منها فليته متعنا بنفسه يوماً واحداً كما متعك ، ثم أمر لي بصلة فأخذتها وانصرفت ، انتهى .